الجمعة، 15 فبراير 2019

{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الأحقاف: ٢٠]

{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} [الأحقاف: ٢٠]
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على عبد الله و رسوله محمد بن عبد الله و على آله و صحبه أجمعين و بعد:
قال ابن المبارك في " الزهد":
510:حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ , قَالَ : حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ , قَالَ : عَادَ خَبَّابًا بَقَايَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا :
أَبْشِرْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، إِخْوَانُكَ تُقْدِمُ عَلَيْهِمْ غَدًا ، فَبَكَى ، فَقَالُوا لَهُ : عَلَيْهَا مِنَ الْحَالِ ، فَقَالَ : " أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِهِ جَزَعٌ ، لكِنَّكُمْ ذَكَّرْتُمُونِي أَقْوَامًا ، وَسَمَّيْتُمُوهُمْ لِي إِخْوَانًا ، وَإِنَّ أُولَئِكَ قَدْ مَضَوْا بِأُجُورِهِمْ كَمَا هِيَ ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ثَوَابُ مَا تَذْكُرُونَ مِنْ تِلْكَ الأعْمَالِ مَا أَصَبْنَا بَعْدَهُمْ " .
وقال ابن المبارك في " الزهد ":
509:أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ " أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا ، فَقَالَ :
قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ، وَكُفِّنَ فِي بُرْدَتِهِ ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلاهُ ، وَإِنْ غُطَّتْ رِجْلاهُ بَدَا رَأْسُهُ " ، وَأُرَاهُ قَالَ : " وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنِ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ " , أَوْ قَالَ :
" أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا ، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ " .
وقال البخاري في " صحيحه":
1203ـ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ ، "
أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا , فَقَالَ :
قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ ، وَأُرَاهُ قَالَ : وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ أَوْ , قَالَ : أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ " .
قال ابن أبي شيبة في " المصنف":
24041: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ :
اسْتَأْذَنَ سَعْدٌ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ وَتَحْتَهُ مَرَافِقُ مِنْ حَرِيرٍ , فَأَمَرَ بِهَا فَرُفِعَتْ , فَلَمَّا دَخَلَ سَعْدٌ دَخَلَ وَعَلَيْهِ مِطْرَفٌ مِنْ خَزٍّ , فَقَالَ لَهُ :
اسْتَأْذَنْتَ عَلَيَّ وَتَحْتِي مَرَافِقُ مِنْ حَرِيرٍ ، فَأَمَرْتُ بِهَا فَرُفِعَتْ , فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ :
" نِعْمَ الرَّجُلُ أَنْتَ إِنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا سورة الأحقاف آية 20 ، لَأَنْ أَضْطَجِعَ عَلَى جَمْرِ الْغَضَا ، أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَضْطَجِعَ عَلَيْهَا " , قَالَ : فَهَذَا عَلَيْكَ شَطْرُهُ حَرِيرٌ ، وَشَطْرُهُ خَزٌّ , قَالَ :
" إِنَّمَا يَلِي جِلْدِي مِنْهُ الْخَزُّ " .
وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
وقال ابن سعد في "الطبقات":
3687: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الأَسَدِيُّ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ ، أَنَّ حَفْصَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ كَانَ يَحْضُرُ طَعَامَ عُمَرَ فَكَانَ لا يَأْكُلُ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ :
" مَا يَمْنَعُكَ مِنْ طَعَامِنَا ؟ " ، قَالَ :
إِنَّ طَعَامَكَ جَشِبٌ غَلِيظٌ ، وَإِنِّي رَاجِعٌ إِلَى طَعَامٍ لَيِّنٍ قَدْ صُنِعَ لِي فَأُصِيبُ مِنْهُ ، قَالَ : " أَتُرَانِي أَعْجَزُ أَنْ آمُرَ بِشَاةٍ فَيُلْقَى عَنْهَا شَعْرُهَا ، وَآمُرَ بِدَقِيقٍ فَيُنْخَلَ فِي خِرْقَةٍ ، ثُمَّ آمُرَ بِهِ فَيُخْبَزَ خُبْزًا رِقَاقًا ، وَآمُرَ بِصَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ فَيُقْذَفَ فِي سُعْنٍ ثُمَّ يُصَبَّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ فَيُصْبِحَ كَأَنَّهُ دَمُ غَزَالٍ ؟ " ، فَقَالَ : إِنِّي لأَرَاكَ عَالِمًا بِطِيبِ الْعَيْشِ ، فَقَالَ : " أَجَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْلا أَنْ تَنْتَقِضَ حَسَنَاتِي لَشَارَكْتُكُمْ فِي لِينِ عَيْشِكُمْ " .
وقال ابن شبة النميري في " تاريخ المدينة":
1063:حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلالٍ ، قال : حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، قال : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، قال : حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ، قال :
" كَانَ عُمَرُ ، رضي الله عنه ، يُغَدِّينَا بِالْخَبْزِ وَالزَّيْتِ وَالْخَلِّ ، وَالْخُبْزِ وَاللَّبَنِ ، وَالْخُبْزِ وَالْقَدِيدِ ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ اللَّحْمُ الْغَرِيضُ ، يَأْكُلُ وَكُنَّا نُعْذَرُ ، وَكَانَ ، يقول : لا تَنْخُلُوا الدَّقِيقَ فَكُلُّهُ طَعَامٌ ، وَكَانَ يقول : مَا لَكُمْ لا تَأْكُلُونَ ؟ فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّا نَرْجِعُ إِلَى طَعَامٍ أَلْيَنَ مِنْ طَعَامِكَ ، قال : يَا ابْنَ أَبِي الْعَاصِ ، أَمَا تُرَانِي عَالِمًا أَنْ أَرْجِعَ إِلَى دَقِيقٍ يُنْخَلُ فِي خِرْقَةٍ فَيَخْرُجُ كَأَنَّهُ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا تَرَانِي عَالِمًا أَنْ أَعْمِدَ إِلَى عَنَاقٍ سَمِينَةٍ فَنُلْقِيَ عَنْهَا شَعَرَهَا فَتَخْرُجَ كَأَنَّهَا كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا تَرَانِي عَالِمًا أَنْ أَعْمِدَ إِلَى صَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ مِنْ زَبِيبٍ فَأَجْعَلَهُ فِي سِقَاءٍ وَأَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَيُصْبِحَ كَأَنَّهُ دَمُ الْغَزَّالِ ؟ قال : قلت : أَحْسَنُ مَا يَبْعَثُ الْعَيْشَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، قال : أَجَلْ ، وَاللَّهِ لَوْلا مَخَافَةُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ حَسَنَاتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَشَارَكْتُكُمْ فِي لِينِ عَيْشِكُمْ ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ ذَكَرَ قَوْمًا ، فقال : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا سورة الأحقاف آية 20 " . حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بِإِسْنَادِهِ وَقَالَ : فَكَانَ يَجِيءُ بِخُبْزٍ مُفْلَعٍ غَلِيظٍ ، وَقَالَ : قال عُمَرُ ، رضي الله عنه : بَخٍ بَخٍ يَا ابْنَ أَبِي الْعَاصِ ، أَمَا تُرَانِي . . . . ؟ ! ! " .
وقال ابن أبي شيبة في " المصنف":
33938:حدثناأَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ :
" لَا يُصِيبُ أَحَدٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَرِيمًا " .
وجود إسناده ابن رجب في جامع العلوم والحكم ،وابن حجر في " الفتح "،والألباني في "صحيح الترغيب".
وقال ابن رجب في " جامع العلوم والحكم (٨٦٦/٢)":
"وَانْقَسَمَ بَنُو آدَمَ فِي الدُّنْيَا إِلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لِلْعِبَادِ بَعْدَ الدُّنْيَا دَارٌ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ : إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [ يُونُسَ : 7 ] ، وَهَؤُلَاءِ هَمُّهُمُ التَّمَتُّعُ بِالدُّنْيَا ، وَاغْتِنَامُ لَذَّاتِهَا قَبْلَ الْمَوْتِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [ مُحَمَّدٍ : 12 ] 0 وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يَأْمُرُ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ، لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الِاسْتِكْثَارَ مِنْهَا مُوجِبٌ الْهَمَّ وَالْغَمَّ ، وَيَقُولُ : كُلَّمَا كَثُرَ التَّعَلُّقُ بِهَا ، تَأَلَّمَتِ النَّفْسُ بِمُفَارَقَتِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَكَانَ هَذَا غَايَةَ زُهْدِهِمْ فِي الدُّنْيَا .
[ ص: 188 ] وَالْقِسْمُ الثَّانِي : مَنْ يُقِرُّ بِدَارٍ بَعْدَ الْمَوْتِ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَهُمُ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى شَرَائِعِ الْمُرْسَلِينَ ، وَهُمْ مُنْقَسِمُونَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ، وَمُقْتَصِدٌ ، وَسَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، فَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ : هُمُ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ وَقَفَ مَعَ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا ، فَأَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ وَجْهِهَا ، وَاسْتَعْمَلَهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهَا ، وَصَارَتِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِ ، لَهَا يَغْضَبُ ، وَبِهَا يَرْضَى ، وَلَهَا يُوَالِي ، وَعَلَيْهَا يُعَادِي ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالزِّينَةِ وَالتَّفَاخُرِ وَالتَّكَاثُرِ ، وَكُلُّهُمْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَقْصُودَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَلَا أَنَّهَا مَنْزِلُ سَفَرٍ يُتَزَوَّدُ مِنْهَا لِمَا بَعْدَهَا مِنْ دَارِ الْإِقَامَةِ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ يُؤْمِنُ بِذَلِكَ إِيمَانًا مُجْمَلًا ، فَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ مُفَصَّلًا ، وَلَا ذَاقَ مَا ذَاقَهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا مِمَّا هُوَ أُنْمُوذَجُ مَا ادُّخِرَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ .
وَالْمُقْتَصِدُ مِنْهُمْ أَخَذَ الدُّنْيَا مِنْ وُجُوهِهَا الْمُبَاحَةِ ، وَأَدَّى وَاجِبَاتِهَا ، وَأَمْسَكَ لِنَفَسِهِ الزَّائِدَ عَلَى الْوَاجِبِ ، يَتَوَسَّعُ بِهِ فِي التَّمَتُّعِ بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا ، وَهَؤُلَاءِ قَدِ اخْتُلِفَ فِي دُخُولِهِمْ فِي اسْمِ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ ، وَلَا عِقَابَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ، إِلَّا أَنَّهُ يُنْقَصُ مِنْ دَرَجَاتِهِمْ فِي الْآخِرَةِ بِقَدْرِ تَوَسُّعِهِمْ فِي الدُّنْيَا . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ دَرَجَاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ كَرِيمًا ، خَرَّجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ . وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ نَظَرٌ .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ " الزُّهْدِ " بِإِسْنَادِهِ : أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، فَكَسَاهُ ، فَخَرَجَ فَمَرَّ عَلَى أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ وَرَجُلٍ آخَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لَهُ : خُذْهَا مِنْ حَسَنَاتِكَ ، وَقَالَ الْآخَرُ : خُذْهَا مِنْ طَيِّبَاتِكَ .
[ ص: 189 ] وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ : لَوْلَا أَنْ تَنْقُصَ حَسَنَاتِي لَخَالَطْتُكُمْ فِي لِينِ عَيْشِكُمْ ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ عَيَّرَ قَوْمًا فَقَالَ : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [ الْأَحْقَافِ : 20 ] .
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ : إِنْ شِئْتَ اسْتَقِلَّ مِنَ الدُّنْيَا ، وَإِنْ شِئْتَ اسْتَكْثِرْ مِنْهَا ، فَإِنَّمَا تَأْخُذُ مِنْ كِيسِكَ .
وَيَشْهَدُ لِهَذَا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى عِبَادِهِ أَشْيَاءَ مِنْ فُضُولِ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا وَبَهْجَتِهَا ، حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ إِلَيْهِ ، وَادَّخَرَهُ لَهُمْ عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ إِلَى قَوْلِهِ : وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [ الزُّخْرُفِ : 33 - 35 ] .
وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ . وَقَالَ : لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا ، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا ، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ .
وَقَالَ وَهْبٌ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنِّي لَأَذُودُ أَوْلِيَائِي عَنْ [ ص: 190 ] نَعِيمِ الدُّنْيَا وَرَخَائِهَا كَمَا يَذُودُ الرَّاعِي الشَّفِيقُ إِبِلَهُ عَنْ مَبَارِكِ الْعُرَّةِ ، وَمَا ذَلِكَ لِهَوَانِهِمْ عَلَيَّ ، وَلَكِنْ لِيَسْتَكْمِلُوا نَصِيبَهُمْ مِنْ كَرَامَتِي سَالِمًا مُوَفَّرًا لَمْ تَكْلَمْهُ الدُّنْيَا .
وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا حَمَاهُ عَنِ الدِّينَا ، كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ الْمَاءَ ، وَخَرَّجَهُ الْحَاكِمُ ، وَلَفْظُهُ : إِنَّ اللَّهَ لَيَحْمِي عَبْدَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُ ، كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ ، تَخَافُونَ عَلَيْهِ .
وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ .
وَأَمَّا السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ فَهُمُ الَّذِينَ فَهِمُوا الْمُرَادَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَى ذَلِكَ ، فَعَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَسْكَنَ عِبَادَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ؟ كَمَا قَالَ : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ هُودٍ : 7 ] ، وَقَالَ : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الْمُلْكِ : 2 ] .
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : أَيَهُمُّ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا ، وَأَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ ، وَجَعَلَ مَا فِي الدُّنْيَا مِنَ الْبَهْجَةِ وَالنُّضْرَةِ مِحْنَةً ، لِيَنْظُرَ مَنْ يَقِفُ مِنْهُمْ مَعَهُ ، وَيَرْكَنُ إِلَيْهِ ، وَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ ص: 191 ] [ الْكَهْفِ : 7 ] ثُمَّ بَيَّنَ انْقِطَاعَهُ وَنَفَادَهُ فَقَالَ : وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [ الْكَهْفِ : 8 ] ، فَلَمَّا فَهِمُوا أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الدُّنْيَا ، جَعَلُوا هَمَّهُمُ التَّزَوُّدَ مِنْهَا لِلْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ، وَاكْتَفَوْا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَكْتَفِي بِهِ الْمُسَافِرُ فِي سَفَرِهِ ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَا لِي وَلِلدُّنْيَا ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَرَاكِبٍ قَالَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا .
وَوَصَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْ يَكُونَ بَلَاغُ أَحَدِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ مِنْهُمْ سَلْمَانُ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، وَأَبُو ذَرٍّ ، وَعَائِشَةَ ، وَوَصَّى ابْنَ عُمَرَ أَنْ يَكُونَ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّهُ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ، وَأَنْ يَعُدَّ نَفْسَهُ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ .
[ ص: 192 ] وَأَهْلُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ فَقَطْ ، وَهُوَ حَالُ كَثِيرٍ مِنَ الزُّهَّادِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يُفْسِحُ لِنَفْسِهِ أَحْيَانًا فِي تَنَاوُلِ بَعْضِ شَهَوَاتِهَا الْمُبَاحَةِ ، لِتَقْوَى النَّفْسُ بِذَلِكَ ، وَتَنْشَطَ لِلْعَمَلِ ، كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ .
وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالطَّعَامَ ، فَأَصَابَ مِنَ النِّسَاءِ وَالطِّيبِ ، وَلَمْ يُصِبْ مِنَ الطَّعَامِ .
قَالَ وَهْبٌ : مَكْتُوبٌ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَغْفُلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ : سَاعَةٍ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ ، وَسَاعَةٍ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ ، وَسَاعَةٍ يَلْقَى فِيهَا إِخْوَانَهُ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيَصْدِقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَسَاعَةٍ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ عَوْنًا عَلَى تِلْكَ السَّاعَاتِ ، وَفَضْلَ بُلْغَةٍ وَاسْتِجْمَامًا لِلْقُلُوبِ ، يَعْنِي تَرْوِيحًا لَهَا .
وَمَتَى نَوَى الْمُؤْمِنُ بِتَنَاوُلِ شَهَوَاتِهِ الْمُبَاحَةِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ كَانَتْ شَهَوَاتُهُ لَهُ طَاعَةً يُثَابُ عَلَيْهَا ، كَمَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : إِنِّي لَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ [ ص: 193 ] قَوْمَتِي ، يَعْنِي : أَنَّهُ يَنْوِي بِنَوْمِهِ التَّقَوِّي عَلَى الْقِيَامِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ، فَيَحْتَسِبُ ثَوَابَ نَوْمِهِ كَمَا يَحْتَسِبُ ثَوَابَ قِيَامِهِ . ا.هـ.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وسلم والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق