آثار الصحابة في أخبار السالفين (24).
ذو القرن.
الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على النبي محمَّدٍ وعلى آله وسلم وبعد:
قال سعيدبن منصور في " السنن":
2179 :حدَّثنا أبو معاوية، قال: حدَّثنا الأعمش، عن عمارة بن عمير، عنِ الربيع بن عميلة، قال: حدَّثنا عبد الله [ابن مسعود] حديثا ما سمعت حديثا هو أحسن منه إلا كتاب الله، أو رواية عنِ النبي صلى الله عليه وسلم، أن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم، اخترعوا كتابا من عند أنفسهم استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون، فقالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل، فإن تابعوكم فاتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، قالوا: لا، بل أرسلوا إلى فلان - رجل من علمائهم - فاعرضوا عليه هذا الكتاب، فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده، وإن خالفكم فاقتلوه، فلن يختلف عليكم بعده أحد. فأرسلوا إليه، فأخذ ورقة وكتب فيها كتاب الله، ثم جعلها في قرن، ثم علقها في عنقه، ثم لبس عليها الثياب، فعرضوا عليه الكتاب، فقالوا له: تؤمن بهذا؟ فأومأ إلى صدره، فقال: آمنت بهذا، وما لي لا أومن بهذا؟ يعني: الكتاب الذي في القرن. فخلوا سبيله. وكان له أصحاب يغشونه، فلما مات وجدوا القرن الذي فيه الكتاب معلق عليه، فقالوا: ألا ترون إلى قوله: "آمنت بهذا، وما لي لا أومن بهذا"؟ إنما عنى هذا الكتاب! فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم أصحاب ذي القرن.
قال عبد الله: وإن من بقي منكم سيرى منكرا، وبحسب امرىء يرى منكرا لا يستطيع أن يغيره: أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره ".
وقال البيهقي في "شعب الإيمان":
7073: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ يُوسُفَ الأَصْبَهَانِيُّ ، أنا أَبُو سَعِيدِ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ ، نا سَعْدَانُ بْنُ نَصْرٍ ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ عُمَارَةَ ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ عَمَلِيَةَ ، نا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا مَا سَمِعْنَا حَدِيثًا هُوَ أَحْسَن مِنْهُ إِلا كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَرِوَايَةً عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمُ اخْتَرَعُوا كِتَابًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمُ اسْتَهْوَتْهُ قُلُوبُهُمْ ، واسْتَحْلَتْهُ أَلْسِنَتُهُمْ ، وَكَانَ الْحَقُّ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ شَهَوَاتِهِمْ حَتَّى نَبَذُوا كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ، فَقَالَ : اعْرِضُوا هَذَا الْكِتَابَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنْ تَابَعُوكُمْ عَلَيْهِ فَاتْرُكُوهُمْ ، وَإِنْ خَالَفُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، قَالَ : لا ، بَلِ ابْعَثُوا إِلَى فُلانٍ رَجُلٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ ، فَإِنْ تَابَعَكُمْ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ ، وَإِنْ خَالَفَكُمْ فَاقْتُلُوهُ ، فَلَنْ يَخْتَلِفَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَهُ ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ ، فَأَخَذَ وَرَقَةً فَكَتَبَ فِيهَا كِتَابَ اللَّهِ ، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي قرنٍ ثُمَّ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ ثُمَّ لَبِسَ عَلَيْهَا الثِّيَابَ ، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَعَرَضُوا عَلَيْهِ الْكِتَابَ ، فَقَالُوا : أَتُؤْمِنُ بِهَذَا ؟ فَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ يَعْنِي الْكِتَابَ الَّذِي فِي الْقرنِ ، فَقَالَ : آمَنْتُ بِهَذَا ، وَمَا لِي لا أُومِنُ بِهَذَا ؟ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ ، قَالَ : وَكَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَغُشُّونَهُ ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَتَوْهُ فَلَمَّا نَزَعُوا ثِيَابَهُ وَجَدُوا الْقرنَ فِي جَوْفِهِ الْكِتَابُ ، فَقَالُوا : أَلا تَرَوْنَ إِلَى قَوْلِهِ : آمَنْتُ بِهَذَا ، وَمَا لِي لا أُومِنُ بِهَذَا ؟ فَإِنَّمَا عَنَى بِهَذَا ، هَذَا الْكِتَابَ الَّذِي فِي الْقرنِ ، قَالَ : فَاخْتَلَفَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، خَيْرُ مِلَلِهِمْ أَصْحَابُ ذِي الْقرنِ " ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَإِنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ سَيَرَى مُنْكَرًا ، وَبِحَسْبِ امْرِئٍ يَرَى مُنْكَرًا لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ أَنْ يُعْلِمَ اللَّهَ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ لَهُ كَارِهٌ .
وقال ابن أبي الدنيا في "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر":
78 :حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الرقي ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن الربيع بن عميلة ، عن ابن مسعود ، قال :
إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد قست قلوبهم ، فاخترعوا كتابا من قبل أنفسهم فاستهوته قلوبهم ، فاستحلته ألسنتهم .
فقالوا : تعالوا حتى ندعو الناس إلى كتابنا هذا ، فمن تابعنا تركناه ، ومن خالفنا قتلناه ، فقالوا : انظروا فلانا ، فإن تابعكم فلن يتخلف عنكم أحد ، وإن خالفكم فاقتلوه .
فبعثوا إليه فدخل منزله ، فأخذ كتابا من كتب الله فجعله في قرن ، ثم تقلده تحت ثيابه ، فأتاهم فقرءوا عليه كتابهم ، فقالوا : تؤمن بما في هذا الكتاب ؟
فقال : وما لي لا أؤمن بهذا الكتاب ، وأشار إلى صدره ، فرجع إلى منزله ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات .
فجاء إخوان من إخوانه فنبشوه فوجدوا ذلك الكتاب في ذلك القرن ، فقالوا : كان إيمانه في هذا الكتاب .
قال ابن مسعود : فتفرقت النصارى على سبعين فرقة ، فأهداهم فرقة أصحاب ذي القرن ، فقال ابن مسعود : يوشك من عاش منكم أن يرى منكرا لا يستطيع فيه غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره .
قلتُ:إسناده قويٌّ.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وسلم والحمد لله رب العالمين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق